بمناسبة مرور مائة عام على انطلاق اول دعوة اصلاحية للطقوس الحسينية في البصرة عام 1926 .(القسم الاول) .
قبل فترة من الزمن كتبت بحثا علميا اكاديميا بعنوان (الدعوات الاصلاحية للطقوس الحسينية في العراق خلال القرن العشرين) ووجدت ثلاث مفارقات غريبة في تلك الدعوات :
المفارقة الاولى : ان اول دعوة اصلاحية للطقوس الحسينية في العراق خاصة والعالم العربي والاسلامي عامة كانت في مدينة البصرة في جنوب العراق ، وليس في النجف او كربلاء او حتى بغداد . وكان الرائد في تلك الدعوة هو السيد محمد مهدي الموسوي القزويني التي اطلقها في مقابلة صحفية مع جريدة (الاوقات العراقية) عام 1926 . وبعد اعتراض المجتهدين الشيخ محمد حسين النائيني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ مرتضى ال ياسين والشيخ حسن المظفر وغيرهم من رجال الدين المحافظين ، اصر القزويني على اراءه ونشرها في كتاب بعنوان (صولة الحق على جولة الباطل) الذي حرم فيه ثلاث اعمال وهى (التشابيه والتطبير والمواكب في الشوارع) , الا ان مشروعه الاصلاحي لم يكتمل بعد وفاته المبكرة عام 1929 .
المفارقة الثانية : ان اول دعوة اصلاحية لم تكن ضد (التطبير) – او ضرب القامات – كما هو سائدا الان ، وانما كانت ضد (التشابيه) او (البراز) كما يسمى حاليا عند العراقيين ، عندما اطلقها السيد القزويني ذلك في مقابلته السابقة ، والسبب هو ان البصرة انذاك لم تكن ذات اغلبية شيعية مطلقة – كما هي الان – وانما متعددة المذاهب والاديان ، وعندما كان ياتي قسم من هؤلاء الناس المخالفين بالمذهب والدين للتفرج على مسرحية التشابيه ، كانوا يسخرون ويضحكون من المواقف التي تحصل امام اعينهم ، وخاصة ادخال النساء انذاك في التشابيه . وقد حرم السيد القزويني (عرض نساء ال بيت النبوة في الشوارع والساحات واختيار نساء ليس عفيفات او محجبات ويجعلن على الجمال ويشهرن بين الفسقة وغيرهم من الملل الخارجة وقد ضربت الطبول والابواق امامهن والخلق حولهن يتفرجون عليهن ببعض الاستهزاء والشماتة) .
المفارقة الثالثة : رغم مرور قرن – او مائة عام – على تلك الدعوة الاصلاحية والتنويرية المبكرة ، الا ان هذا يظهر ان الزمن عندنا متوقف بالمطلق – ان لم يحصل تراجعا – في تلك الدعوات ونكوصا في النقد والطرح والاصلاح . فبعد دعوة السيد القزويني عام 1926 ظهرت مباشرة بعد عام واحد دعوة السيد محسن الامين العاملي في كتابه (رسالة التنزيه لاعمال الشبيه) عام 1927 في سوريا ولبنان . وقد كان صداها اكبر من دعوة السيد القزويني ، لان المراكز الدينية في النجف وكربلاء قد تفاعلوا معها بقوة . وقد حرم السيد الامين تسعة من الاعمال التي تحصل في الطقوس الحسينية واهمها (التشابيه والتطبير والتلحين بالغناء ونقل الروايات الكاذبة وصياح النساء واركابهن على الحيوانات والزعيق واستعمال الات اللهو كالطبل والبوق وغيرها) . وقد ايده المرجع السيد ابو الحسن الاصفهاني والشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد هبة الدين الشهرستاني والشيخ محسن شرارة وغيرهم . فيما اعترض عليه الشيخ محمد حسين النائيني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ عبد الحسين صادق العاملي والشيخ محد جواد البلاغي وغيرهم . وكان اهم من ايد لاحقا هذه الدعوة الدكتور علي الوردي حيث مدحها كثيرا في كتبه .
والمطلع لتلك الدعوات يجد ان هناك فكرا تنويريا شجاعا ومتقدما عند رجال الدين انذاك بالقياس الى السائد عندنا الان . فقد حرموا ممارسات وسلوكيات اصبحت عندنا الان من المسلمات التي لايجوز نقدها او تحريمها كالتشابيه او ضرب الطبول والبوق او مواكب الزنجيل والزعيق وغيرها . ولم يبقي عندنا محل الاشكال سوى التطبير الذي مازال يشكل محل جدل بين الفقهاء او المراجع ، وربما بعد كم عام سينتهي ايضا هذا الجدل ويصبح التطبير حالة طبيعية عند الناس ورجال الدين . فقد ياتي يوما ان يخرج عليك في يوم العاشر مئات الالاف من (الزومبي) في الساحات العامة والشوارع وهم ملطخين بدمائهم اللزجة وشكولاتهم القبيحة ، يتباهون بالتخلف والبربرية والممارسات البشعة التي وفدت من خارج كهوف التاريخ من جبال القوقاز في روسيا ، يعتبرون هذا العمل الهمجي انجازا خالدا وضرب القامات عملا صالحا تنساب عليهم الحسنات من السماء مثل ماء المطر ، ولم يحرمها صراحة وبوضوح سوى المرجع الشجاع الشهيد السيد علي الخامنئي عام 1994 . وقد تبعه في ذلك عدد من المراجع في ايران كامر من الولي الفقيه مثل السيد كاظم الحائري وغيره . فيما للاسف لم نجد من المجتهدين الاخرين – وخاصة في النجف – سوى التردد وعدم الوضوح ومداراة القطيع . وكما قال علي الوردي (ان رجال الدين السنة يخضعون للحكام … فيما يخضع رجال الدين الشيعة للعوام والرعاع) ، والسبب الخشية من العامة وعدم التجاهر بالحق حتى قال السيد مرتضى العسكري ان المرجع السيد محسن الحكيم كان يقول (ان التطبير غصة في حلوقنا) .
ان الكثير من الاشخاص والاوباش اخذوا يقومون بسلوكيات عجيبة وممارسات غريبة بحجة الطقوس الحسينية والشعائر الدينية التي تخالف ليس الدين والعقل والاخلاق فحسب ، بل وتخالف الفطرة السليمة والرجولة والتحضر ، كما في تطبير النساء والاطفال وغيرها من الممارسات التي يقوم بها بعض حثالات العصر . ولا أعرف من خول هذا الانسان الهمجي ان يجرح طفلا عمره سنتين ؟ اللهم سوى الرياء والتهنبل والتخلف . ناهيك عن المشي على الجمر والتطين والردح والبزخ والشور والقاء الاطفال على المروحة وكلاب رقية والزحف مثل الحيوان واختلاط الناس مع الرجال ووو وغيرها من السلوكيات التي اذا سكت عنها المجتمع , فانها ستدخل حتما بعد عشر سنوات بخانة (الشعائر) المقدسة .
القسم الثاني القادم (رؤية الدكتور علي الوردي الاصلاحية للطقوس الحسينية)
