لم تكن المربية الفاضلة “خالدة تركي عمران” (أم منتظر) مجرد معلمة أجيال، بل كانت مدرسة حية تمشي على الأرض في الشرف والكرامة.
في صباح الرابع من نيسان عام 2016، كانت متوجهة كعادتها لأداء رسالتها التربوية في إحدى مدارس البصرة. وما إن توقفت بمركبتها حتى دوى انفجار غادر لسيارة مفخخة بالقرب منها، ليحيل سيارتها في ثوانٍ إلى كتلة من لهب.
استطاعت “أم منتظر” النجاة بنفسها في اللحظات الأولى، فاندفعت هاربة من وسط الجحيم والنيران تنهش جسدها. لكنها في لحظة فارقة أدركت أن النار قد أتلفت ثيابها. وهنا تجلى الموقف الملحمي؛ فالموت حرقاً لم يكن أشد رعباً في قلبها من فقدان الحياء أو أن ينكشف جسدها أمام أنظار المارة.
وبدافع من حيائها العظيم وتجذر الغيرة في روحها، أبت أن تبقى في ذلك المشهد. استدارت عائدة بخطى واثقة نحو محرقة سيارتها المشتعلة، فتحت الباب وجلست في قلب النار، مفضلة أن يلتهمها اللهب على أن تُخدش عفتها، لتغادر الدنيا ملفوفة برداء الحياء، وتسطر بدمائها ورمادها أعظم ملاحم الشرف التي لا تُنسى